دموع في عيون وقحة اعترافات بلا شرف سياسي

08:57 2026/01/09

ما يحدث اليوم في مشهد البودكاست السياسي اليمني ليس شجاعة ولا صحوة ضمير بل قمة الوقاحة السياسية فجأة وبعد أن أُغلق باب السلطة في وجوههم خرج علينا سياسيون وقيادات حزبية كانوا حتى وقت قريب جزءاً من منظومة الحكم يتحدثون بلا خجل عن الفساد، ويكشفون ما يسمونه المستور وكأنهم لم يكونوا في قلب هذا المستور، وكأن أيديهم لم تكن مغموسة في ذات الوحل الذي يلعنونه اليوم، هذه ليست جرأة بل استهانة بعقل شعب أنهكته الخيبات، ومحاولة رخيصة لإعادة تدوير الذات عبر ميكروفون؛ هؤلاء لم يكونوا معارضين ولم يكونوا مهمشين ولم يكونوا أسرى بلا حول ولا قوة، بل كانوا في مواقع القرار يتقاسمون النفوذ ويوقعون ويمررون ويصمتون حين يكون الصمت مربحاً، ويتحدثون اليوم فقط لأن الكرسي سُحب منهم أو لأن صفقة انتهت أو لأن مركز النفوذ لفظهم كما يلفظ أدواته المستهلكة لا أحد يقنعنا أن الحقيقة ولدت بعد الإقصاء ولا أن الشجاعة تنمو فقط عندما تنتهي المصالح.
 
السؤال الذي يرفض هؤلاء مواجهته هو سؤال أخلاقي بسيط ومباشر؛ لماذا لم تتكلموا حين كنتم في السلطة؟ لماذا لم تحاربوا الفساد وأنتم جزء من الدولة؟ لماذا لم تخرجوا على الناس وتقولوا الحقيقة في وقتها؟ الجواب الحقيقي ليس معقداً، لأنكم كنتم جزءاً من المشكلة لا ضحاياها كنتم مستفيدين أو على الأقل متواطئين وهذه هي الجريمة السياسية التي تحاولون اليوم غسلها بالكلام؛ وعندما يُحاصرون بهذا السؤال يلوذون بذريعة مراكز النفوذ وكأنهم اكتشفوا الدولة العميقة بعد خروجهم منها يقولون إن الفساد كان أكبر منهم، وإن المواجهة كانت مستحيلة، لكن هذا الادعاء يسقط عند أول مقارنة مع سلوكهم الفعلي، فهؤلاء أنفسهم كانوا يسافرون بلا خوف يحضرون المؤتمرات الدولية، يشاركون في ورش العمل يجلسون في الفنادق الفاخرة ويتحدثون عن الإصلاح والديمقراطية أمام الخارج دون أن يجرؤ أحد على المساس بهم لم يكونوا محاصرين ولا مكممي الأفواه بل كانوا يتحركون بحرية كاملة عندما يتعلق الأمر بالامتيازات.
 
إذا كانت مراكز النفوذ أكبر منهم فعلاً، لماذا لم يكشفوا الفساد من الخارج؟ لماذا لم يتحدثوا أمام المجتمع الدولي؟ لماذا لم يطلبوا الحماية الدولية وهم في مواقعهم؟ لماذا لم يستخدموا تلك المنصات لفضح من يزعمون اليوم أنهم كانوا عاجزين عن مواجهتهم؟ الإجابة المؤلمة أن الصمت كان خياراً لا اضطراراً وخياراً مريحاً يضمن البقاء في اللعبة ويؤجل المواجهة إلى ما بعد خسارة المكاسب؛ وأيضاً الاعتراف بعد السقوط ليس بطولة بل دليل إدانة، فهو يعني أن صاحب الاعتراف كان يعلم وصمت واستفاد، ثم تكلم فقط عندما انتهى دوره، هذا النوع من الاعتراف لا يستحق الاحترام بل يستحق المساءلة، لأن من يعرف الفساد ولا يواجهه وهو قادر، يعتبر شريك فيه حتى لو لم يوقع أو لم يسرق بيده.
 
الأخطر في هذا المشهد أنه لا يقف عند حدود النفاق الشخصي، بل يتحول إلى إهانة جماعية لوعي الشعب اليمني، فحين يظهر سياسي في بودكاست، يروي قصص الفساد بنبرة المظلوم دون أن يعترف بمسؤوليته ودون أن يعتذر ودون أن يطلب محاسبته قبل محاسبة غيره، فإنه يفترض أن الناس بلا ذاكرة وأن الألم العام يمكن استغلاله كوقود لعودة سياسية جديدة، هذه ليست فقط خيانة للثقة بل استخفاف بعقول ملايين اليمنيين الذين دفعوا ثمن هذا الفساد من أمنهم ومعيشتهم ومستقبلهم؛ لو كان في هؤلاء ذرة احترام للشعب لكان خطابهم مختلفا تماماً، لقالوا بوضوح إنهم أخطأوا وإنهم صمتوا طمعاً أو خوفاً وإنهم يتحملون المسؤولية السياسية والأخلاقية لقدموا ما لديهم من وثائق وأسماء للجهات القضائية، لا لمنصات الترفيه السياسي، وطلبوا التحقيق معهم قبل المطالبة بأي دور جديد، عندها فقط كان يمكن للنقاش أن يكون مختلفاً.
 
أما أن يتحول البودكاست إلى مغسلة سياسية يُغسل فيها الماضي بالكلام وتُعاد فيها صياغة الجريمة بوصفها بطولة مؤجلة فهذا انحدار خطير في الخطاب العام، اليمن لا يحتاج إلى رواة حكايات بعد انتهاء الولائم بل إلى رجال دولة يتكلمون حين يكون الكلام مكلفاً لا حين يصبح بلا ثمن؛ الشعب اليمني لا يبحث عن اعترافات متأخرة ولا عن شجاعة صوتية بعد الإقصاء ولا عن وجوه تعود كل مرة بقناع جديد، بل يبحث عن صدق وعن محاسبة وعن قطيعة حقيقية مع ثقافة الإفلات من المسؤولية، وكل من يتحدث اليوم عن الفساد دون أن يبدأ بنفسه، ولا يعترف بدوره ولا يقبل بالمحاسبة، ليس جزءاً من الحل بل امتداد للمشكلة مهما علت نبرة صوته ومهما كثر متابعوه؛ لذلك أقول لهم إنها ليست لحظة بطولة بل لحظة انكشاف.