صنعاء وسؤال السلام الممنوع: لماذا لا تريد المليشيا الحوثية نهاية الحرب؟

قبل 1 ساعة و 23 دقيقة

في صنعاء لا يبدو السلام حدثاً منتظراً بقدر ما يبدو تهديداً وجودياً لسلطة قامت وتغذت على الحرب، فبينما يتطلع اليمنيون في الشمال كما في الجنوب إلى لحظة توقف فيها المدافع ويعود فيها الحد الأدنى من الحياة الطبيعية تواصل المليشيا المسيطرة على صنعاء التعامل مع فكرة السلام بوصفها خطراً سياسياً وعقائدياً لا يقل عن خطر الهزيمة العسكرية.
 
سؤال السلام في صنعاء ليس سؤالاً إنسانياً ولا وطنياً بل سؤال محظور لأن الإجابة عليه تعني سقوط المنظومة التي بنتها المليشيا خلال سنوات الحرب على الخوف والتعبئة والاقتصاد الحربي؛ منذ سيطرتها على العاصمة أعادت المليشيا تشكيل المجتمع وفق منطق الحرب الدائمة، فالحرب لم تكن ظرفاً طارئاً بل تحولت إلى نمط حكم وأداة سيطرة فكلما طال أمد الصراع توسعت صلاحياتها وتراجعت أي مساحة للمساءلة أو النقد، ففي ظل الحرب يمكن تبرير الجبايات القسرية وفرض المجهود الحربي ومصادرة الرواتب واختطاف المعارضين باسم الأمن والعدوان الخارجي، أما في زمن السلام فهذه الممارسات ستتحول فوراً إلى أسئلة محرجة أين تذهب الأموال؟ ولماذا تغيب الدولة؟ ولماذا يعيش المواطن تحت سلطة السلاح لا القانون؟
 
تجربة الهدن السابقة كشفت هذا الخوف بوضوح، فعندما توقفت العمليات العسكرية نسبياً خلال فترات التهدئة شهدت مناطق سيطرة المليشيا حالة من التململ الشعبي وبدأت الأسئلة تطفو على السطح رواتب لم تصرف منذ سنوات رغم تدفق الموارد من الجمارك والضرائب في الحديدة وصنعاء، وأسعار وقود تتغير بقرارات مفاجئة دون مبرر، وحملات اختطاف طالت صحفيين وناشطين وأكاديميين وتربويين فقط لأنهم تجرأوا على الحديث عن السلام بوصفه حقاً لا مؤامرة. 
 
هذه المؤشرات كانت كافية لتدرك المليشيا أن الهدوء يفضحها وأن الحرب تمنحها الغطاء المثالي للاستمرار؛ فالاقتصاد الحربي يمثل ركناً أساسياً في رفض السلام، فشبكات المصالح التي نشأت خلال سنوات الصراع من تجارة السلاح والوقود والسوق السوداء والمساعدات الإنسانية لا يمكن أن تعيش في بيئة مستقرة، فإنهاء الحرب يعني إغلاق منابع ثراء غير مشروع راكمته قيادات ومشرفون على حساب الجوع العام، ويعني أيضاً عودة مؤسسات رقابية ولو بحدها الأدنى، وهو ما لا تحتمله سلطة قامت على الغنيمة لا على الخدمة العامة، المثال الأبرز هو ملف المشتقات النفطية حيث تحولت الأزمات المفتعلة إلى وسيلة ابتزاز للمواطنين وجباية اضافية لا يمكن تمريرها في ظل سلام مستقر.
 
سياسياً السلام يطرح سؤال الشرعية وهو السؤال الأكثر حساسية، فالمليشيا لم تصل إلى الحكم عبر انتخابات ولا توافق وطني بل عبر القوة المسلحة ومعادلة الأمر الواقع استمرار الحرب يسمح بتجميد هذا السؤال وتحويله إلى مواجهة خارجية بينما السلام يعيد فتح ملف من يحكم ولماذا وكيف وهو ملف تعرف المليشيا أنها تخسره في أي مسار سياسي حقيقي، لذلك نراها تناور في كل جولة مفاوضات وتتعامل مع المبادرات الدولية كفرص لكسب الوقت لا للوصول إلى حل نهائي، فالاتفاقات بالنسبة لها أدوات تكتيكية لا التزامات سياسية؛ حتى الخطاب الإعلامي يعكس هذا الرفض البنيوي للسلام حيث يتم تصوير أي دعوة لإنهاء الحرب على أنها خيانة او استسلام او تآمر مع الخارج ويتم تخوين الاصوات المدنية التي تطالب بالحياة ووقف القتال، هذا الخطاب ليس عفوياً بل ضرورة لبقاء حالة التعبئة فالسلام يتطلب خطاباً جديداً يعترف بالآخر ويقبل بالتعدد ويؤمن بالشراكة وهي مفاهيم تتناقض جذرياً مع مشروع ايديولوجي مغلق لا يرى في المجتمع الا ساحة طاعة.
 
اللافت أن صنعاء التي عاشت قروناً كمدينة للتجارة والتعايش باتت اليوم مدينة مرهقة من الحرب وسلطتها، فالأسواق راكدة، والفرص معدومة، والأجيال الجديدة تكبر في بيئة تعبئة لا تعليم حقيقي فيها ومع ذلك تستمر المليشيا في دفع المجتمع نحو مزيد من العسكرة لأنها تدرك أن أي عودة طبيعية للحياة ستنتج وعياً جديداً يصعب التحكم به، وبالتالي السلام هنا ليس مجرد توقف للرصاص بل بداية لانهيار سردية كاملة بنيت على فكرة المؤامرة الدائمة؛ إن سؤال السلام الممنوع في صنعاء يكشف حقيقة مرة مفادها ان المشكلة لم تعد فقط في اطراف خارجية او تحالفات دولية بل في سلطة داخلية ترى في معاناة الناس ضمانة لبقائها وفي استمرار الحرب شرطا لاستمرار نفوذها، ولهذا فإن أي حل حقيقي في اليمن لن ينجح ما لم يدرك المجتمع الدولي واليمنيون أنفسهم أن السلام ليس مصلحة مشتركة لكل الأطراف، وأن هناك من سيقاتل ضده لأنه يهدد جوهر سلطته حينها فقط يمكن فهم لماذا تطول الحرب ولماذا يبدو السلام في صنعاء حلماً مؤجلاً لا لغياب الفرص بل لوجود من يخشاه أكثر من أي شيء آخر.