التقية الإيرانية.. مراوغة التفاوض وكسب الوقت قبل الضربة

قبل 2 ساعة و 52 دقيقة

تتعامل إيران مع المفاوضات الجارية بوصفها أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه. فهي تنظر إلى طاولة الحوار كمحطة مؤقتة لامتصاص الضغوط وتفادي كلفة المواجهة المباشرة، مع العمل في الوقت ذاته على إعادة ترتيب أوراق القوة في الإقليم. ومن هنا تبدو المرونة التي تُظهرها في الخطاب والسلوك جزءًا من تكتيك محسوب هدفه الأساسي كسب الوقت، دون المساس بجوهر مشروعها الاستراتيجي.
 
في هذا السياق، يبرز مفهوم «التقية» بصيغته السياسية، حيث توظّف القيادة الإيرانية هذا المبدأ كآلية حماية للنظام تحت ضغط العقوبات والتهديدات العسكرية. وما تسميها طهران «الليونة البطولية» ليس سوى نسخة حديثة من هذه التقية: انفتاح لغوي محسوب، وانخراط شكلي في قنوات تفاوض، يقابله تمسّك صارم بالثوابت الاستراتيجية، وفي مقدمتها منظومة الصواريخ الباليستية وشبكة النفوذ الإقليمي. وهكذا تختلط إشارات التهدئة برسائل التصعيد، لتبقى النوايا الإيرانية عصيّة على القراءة الواضحة.
 
وتكشف إدارة إيران لمسار التفاوض عن مراوغة مدروسة لكسب الوقت. فالإصرار على تغيير أماكن المباحثات وإعادة ضبط أطرها يعكس رغبة واضحة في إطالة أمد العملية وتحسين شروطها. أما على مستوى المضمون، فقد اعتمدت طهران قاعدة ثابتة تقوم على فصل الملفات وعدم السماح بتوسيع دائرة النقاش؛ فهي تقبل الخوض في الملف النووي ضمن حدود محسوبة، لكنها ترفض رفضًا قاطعًا إدراج برنامجها الصاروخي أو أذرعها الإقليمية في أي اتفاق شامل، باعتبارها ركائز الردع التي لا يمكن التنازل عنها.
 
وفي الإطار ذاته، لم تقتصر التقيّة السياسية الإيرانية على مخاطبة القوى الغربية فحسب، بل امتدت إلى دول الجوار عبر سياسة مزدوجة تجمع بين التهديد غير المباشر والطمأنة المشروطة. فقد لوّحت طهران، صراحة أو عبر أذرعها، بإمكانية نقل المواجهة إلى عمق المنطقة في حال تعرضها لضربة عسكرية، مستهدفة أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الداخلي. هذا النهج دفع عددًا من دول الإقليم إلى تكثيف التواصل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من محطة، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأمور نحو ضربة شاملة على إيران، خشية تحوّل أراضيها ومصالحها إلى ساحات ردّ وانتقام.
 
وفي موازاة ذلك، تواصل إيران تعزيز رصيدها التفاوضي عبر أوراق القوة الصلبة، وفي مقدمتها البرنامج النووي. فبحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك طهران نحو تسعة أطنان من اليورانيوم المُخصّب بمستويات مختلفة، من بينها ما يقارب 400 إلى 440 كيلوجرامًا مخصّبًا بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب تقنيًا من مستوى الاستخدام العسكري. وتشكل هذه الكمية عامل ضغط بالغ الأهمية في أي مفاوضات، إذ تمنح إيران قدرة متقدمة على رفع سقف التهديد دون إعلان القطيعة النهائية مع المسار الدبلوماسي.
 
إلى جانب ذلك، يتطور البرنامج الصاروخي الإيراني بوتيرة متسارعة، فيما تثبّت الأذرع العسكرية في لبنان والعراق واليمن حضورها في ساحات التوتر، ملوّحة بإمكانية توسيع أي مواجهة لتشمل أكثر من جبهة. وبهذا المعنى، يصبح التفاوض امتدادًا للميدان بلغة أخرى، حيث تُستخدم استعراضات القوة والتوتر في الممرات البحرية وساحات النفوذ الإقليمي كوسائل لرفع سقف التفاوض أو خفضه.
 
تكشف طريقة إدارة إيران للمفاوضات عن نهج قائم على التقيّة السياسية وكسب الوقت، دون قطع خيط الحوار نهائيًا. فهي لا تريد حربًا شاملة قد تطيح بما راكمته من نفوذ، لكنها في المقابل لا تقبل بتسوية تنتقص من عناصر قوتها الأساسية. وبين هذين الحدين تتحرك طهران على حافة الهاوية، تراهن على أن الزمن يعمل لصالحها. غير أن المشهد الإقليمي، مع تصاعد الحشد العسكري الأميركي، يرفع منسوب احتمالات المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعل المنطقة بأسرها أمام لحظة اختبار حاسمة.