من يوميات الحصار الحوثي: طاف نصف اليمن ليصل من التحيتا إلى التحيتا!
التحيتا، كتب/ أمين الوائلي:
04:43 2020/11/29
نزح وأسرته من وقت مبكر وأخذتهم الطرقات إلى صنعاء، وعندما عصف الحنين حزموا أغراضهم القليلة ولبوا داعي البلاد. وضعوا أنفسهم في أكثر من سيارة تنقلاً إلى زبيد، ودنوا من مدينة التحيتا، حتى لاحت للأعين عن قرب ورأوا منازل الأهل ومنزلهم على مرمى بصر.. فقيل لهم "ممنوع... ارجعوا"...
ليس بينهم وبين المدينة والدار إلا مسافة وجيزة لا تستغرق ربع ساعة مشياً على الأقدام في الطريق الرئيس الواصل بين أطراف التحيتا من جهة السويق ومدينة التحيتا مركز المديرية. القليل من الوقت وسوف يكونون في دارهم.
لكن ما لا يُنتظر يحدث، ويحدث أن "الحوثة" أوقفوهم وأمروهم بالعودة من حيث أتوا ولم يسمحوا لهم أبداً بالمرور إلى التحيتا: "ممنوع يعني ممنوع افهم يا شيبة"!
ومهما حاول الشيخ الثمانيني، العم محمد أحمد باشا، أن يفهمهم أن تلك، هناك على مرمى بصر، هي دارهم ولا يتطلب الأمر سوى أن يمروا إليها، احتدوا عليه وفي وجهه وأسمعوه ما يكره.
أخذ الخوف بالأولاد والأهل في السيارة من جور وفجور مسلحين يتحدثون بالرصاص أكثر من الأفواه. وبين هلع الأهل والأولاد وتعنت الحوثة اختار الشيخ الوقور أن يأخذ خيار السلامة مجبراً وأجهش للتحيتا بتحية دامعة.
قال الحاج محمد، لنيوزيمن، الذي التقاه في مدينة التحيتا: "كنت أقول لهم وأأشر بيدي، هذيك هي بلادي وهذاك بيتنا.. قريب، خلينا نعبر ما معانا شي يا ولدي". لكنهم لوحوا أخيراً بالبنادق محتدين وأجهش الأبناء خوفاً فأخذته الرأفة بأسرته وفوض أمره لله وتجرع الغصص.
عادوا إلى صنعاء ومنها أخذوا طريقهم إلى عدن فالمخا والخوخة والطريق الساحلي ثم الصحراوي وإلى مدينة التحيتا أخيراً.
أربعة أيام متواصلة سفراً وتنقلاً أنهكت الأجساد المتعبة والشيخ المسن، لكن القوي والتهامي المتجلد الصبور الشفيق على أهله وأولاده والمسكون بالتحيتا بلدة وداراً ومستقراً وقبراً عندما يحين الموعد.
خرج، كما يقول العم محمد، بمائتي ألف ريال، أنفقها على السيارات وأجرة التنقل الشاق والطويل والرحلة الخرافية من التحيتا وإلى التحيتا، وعندما دخل بيته في التحيتا لم يكن في جيبه سوى ألف ريال لا غير.
هذه قصة واحدة وعابرة تلتقطها من أفواه الناس والتهاميين وسواها آلاف القصص والحكايات والوقائع المؤلمة والموجعة حدثت وتحدث للتهاميين الذين أوذوا في بلادهم ومزارعهم وديارهم ولا آخر للنزيف والمعاناة.
ويتجرع الناس والسكان المدنيون المسالمون صنوفاً من المعاناة لا يعلمها أو يعرف عنها معظم الذين يعتقدون أنهم يعرفون الحرب ويتابعون أحداثها وفعائلها. إنهم لا يعرفون. جميعنا لا نعرف.