التعليم الأهلي والحكومي في تعز: أزمة خيارات لا جودة

  • تعز، الساحل الغربي، عبدالصمد القاضي:
  • 10:38 2026/01/06

تعيش مدينة تعز واحدة من أعقد أزماتها التعليمية، في ظل ارتفاع متواصل لتكاليف المدارس الأهلية، يقابله تدهور حاد في أوضاع التعليم الحكومي، ما دفع آلاف الأسر إلى خيارات قسرية بين تعليم مرتفع الكلفة أو تعليم حكومي يعاني من ضعف الإمكانات وانعدام المقومات الأساسية.
 
تعليم حكومي متدهور
 
«التعليم الأهلي لمن استطاع إليه سبيلاً، ووالدي لا يستطيع دفع تكاليف المدارس الأهلية، لذلك أدرس في مدرسة حكومية».
 
بهذه الكلمات بدأت الطفلة زينة عدنان (12 عاماً)، التي تدرس في الصف السادس الأساسي بمدينة تعز، حديثها عن سبب التحاقها بالتعليم الحكومي، رغم وجود مدرسة أهلية مجاورة لمنزل أسرتها.
 
وتضيف زينة أن عدداً من صديقاتها يدرسن في مدارس أهلية، مشيرة إلى أن التعليم الحكومي يعاني من إهمال واضح، وأن الفصول الدراسية مزدحمة جداً، دون أن تعرف أسباب ذلك.
 
ويضيف والد الطفلة رغد كمال أن المدارس الحكومية أصبحت مقلقة، خصوصاً في ظل الظروف الأخيرة التي تعيشها مدينة تعز، مؤكداً أنه يشعر بالتعب يومياً من ذهاب وإياب ابنته إلى المدرسة، في ظل غياب المتابعة اليومية والمستمرة من إدارة المدرسة، سواء في حالات الغياب أو التأخر.
 
في المقابل، تروي حليمة، ولية أمر الطالبة ريناد (10 أعوام)، سبب إلحاق ابنتها بمدرسة أهلية، موضحة أن غياب خدمة النقل المدرسي في المدارس الحكومية أجبرها على هذا الخيار.
 
وتضيف أن المدارس الأهلية توفر خدمة نقل مدفوعة من أمام المنزل صباحاً، وإعادة الطالب أو الطالبة ظهراً، ما يمنح الأسر شعوراً أكبر بالأمان والاطمئنان.
 
وتقول:
«لا أشعر بالأمان أن تذهب ابنتي في هذا العمر إلى المدرسة الحكومية بمفردها، نظراً لبعدها عن المنزل، وهذا هو السبب الرئيسي».
 
وبحسب أولياء الأمور، تقدم المدارس الأهلية خدمات إضافية، من بينها المتابعة المستمرة للطلبة عبر تقارير تقييمية دورية، إلى جانب توفير الكتب المدرسية، ووسائل تعليمية وترفيهية أفضل مقارنة بالمدارس الحكومية.
 
التعليم الحكومي… انضباط طلاب وتحديات معلمين
 
يوضح مشرف التوجيه بمكتب التربية والتعليم بتعز طاهر القاضي، أن مستوى انضباط حضور الطلاب في المدارس الحكومية «ممتاز جداً»، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الطلاب، بل في أوضاع الكادر التعليمي.
 
ويشير القاضي إلى وجود تفاوت في التزام المعلمين بالحضور من مدرسة إلى أخرى، مرجعاً ذلك إلى استمرار نزوح عدد كبير من المعلمين، وتعرض بعضهم للتهجير لأسباب سياسية، إضافة إلى عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها ارتفاع إيجارات المساكن، وانخفاض القيمة الشرائية للريال، واستقرار كثير من المعلمين في مناطقهم الأصلية خارج المدينة أو في أرياف تعز.
 
وبحسب القاضي، تواجه المدارس الحكومية جملة من التحديات المتراكمة، في مقدمتها العجز في الكادر الوظيفي، وضعف المعامل، وانقطاع الكهرباء والمياه، وغياب دعم الأنشطة المدرسية، وانعدام الوسائل التعليمية الحديثة.
 
ويضيف أن هناك خطة إشرافية مكتوبة لمتابعة المدارس، لكنها تفتقر إلى الكادر الكافي للتنفيذ الميداني، موضحاً أن التوجيه التربوي في المديريات يعاني من خلل واضح نتيجة نقص الموجهين والمفتشين الماليين والإداريين، حيث لا يتوفر سوى نحو 60% من الكادر الذي كان موجوداً قبل الحرب، ما يشكل عبئاً إدارياً كبيراً على العاملين المتبقين.
 
رسوم باهظة ورفض القرارات الحكومية
 
رغم وجود 205 مدارس أهلية في محافظة تعز (مناطق نفوذ الشرعية)، إلا أن تكاليف التعليم فيها مرتفعة بشكل كبير، إذ يتراوح متوسط رسوم الطالب ما بين 80,000 إلى 400,000 ريال، رغم تحسن سعر صرف العملات الأجنبية مطلع العام الدراسي الجاري.
 
وفي هذا السياق، أصدر مكتب التربية والتعليم بمحافظة تعز تعميماً يقضي بإلغاء 50% من الرسوم الدراسية المضافة على الطلاب في المدارس الأهلية والخاصة للعام الدراسي الجديد، نظراً لتحسن الوضع الاقتصادي وقيمة العملة المحلية، وبهدف التخفيف عن أولياء الأمور في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
 
غير أن المدارس الأهلية لم تلتزم بشكل كامل بالتخفيض المقرر، واستمرت في تحصيل الرسوم المرتفعة، وحرمان بعض الطلاب من أداء الامتحانات النصفية. 
 
ويؤكد أولياء الأمور أن القرار لم يُنفذ، وأن الأعباء تتضاعف.
 
يقول عبدالله محمد، ولي أمر طالب في المرحلة الأساسية:
«صدر قرار رسمي بتخفيض الرسوم، لكننا لم نلمس أي تغيير، المدارس ما زالت تطالبنا بالمبالغ نفسها، وبعضها هدد بعدم قبول الطلاب في حال عدم الدفع».
 
وتوضح أم أحمد، ولية أمر طالبتين، أن الرسوم أصبحت عبئاً يفوق قدرة الأسر:
«ندفع رسوم دراسة، ومواصلات، وكتب، وأنشطة، وكل عام تزيد.. القرار كان أملاً لنا، لكن المدارس تجاهلته تماماً».
 
أما صالح علي، وهو موظف حكومي، فيؤكد أن غياب البديل الحكومي أجبره على القبول بالأمر الواقع:
«التعليم الحكومي شبه منهار، والمدارس الأهلية تستغل هذا الوضع.. نُجبر على الدفع لأننا لا نملك خياراً آخر».
 
فجوة تتسع بين الاحتياج والدعم
 
يؤكد نائب مكتب التربية الأستاذ بجاش المخلافي أن الفجوة بين احتياجات المدارس الحكومية والدعم المتوفر تتسع عاماً بعد عام، نتيجة انعدام النفقات التشغيلية الكافية، ما يجعل المدارس عاجزة عن توفير أبسط متطلبات العملية التعليمية.
 
وأشار إلى أن تكرار إضرابات المعلمين بات من أبرز الملاحظات خلال السنوات الماضية، نتيجة تدهور أوضاعهم المعيشية، إلى جانب الغياب المتكرر لبعض المعلمين لأسباب صحية، خاصة مع تقدم الكثير منهم في السن واستمرارهم في العمل بعد بلوغ سن التقاعد.
 
المدارس الأهلية… التزام نسبي وجدلية الرسوم
 
من جهته، أوضح مدير إدارة التعليم الأهلي بمكتب التربية هزاع عبدالجليل، أن عدداً من المدارس الأهلية استجاب لقرار سقف الرسوم عبر تفاهمات عرفية مع أولياء الأمور، معتبراً ذلك أمراً إيجابياً.
 
وأشار إلى أن أبرز التجاوزات تتمثل في تجاوز الطاقة الاستيعابية في بعض المدارس، بسبب الإقبال الكبير على التعليم الأهلي، خاصة بعد إغلاق الفترة المسائية في المدارس الحكومية، التي كانت تستوعب نحو ثلث طلاب المحافظة.
 
وأوضح أن مدير عام مكتب التربية والتعليم بالمحافظة عبدالواسع شداد أصدر تعميماً يقضي بخصم 50% من الرسوم المضافة، واصفاً القرار بأنه «ممتاز»، لكنه انتقد تشبيه أسعار التعليم بأسعار السلع الاستهلاكية.
 
وأكد أن بعض المدارس دخلت مجال التعليم بدافع الربح فقط، دون رؤية أو دراسة جدوى، معتبراً أن استمرارها مرهون بحاجة المدينة لها في ظل تراجع التعليم الحكومي.
 
رقابة قانونية وتوصيات
 
أوضح عبدالجليل هزاع أن فتح أي مدرسة أهلية يخضع لمعايير محددة تشمل ملاءمة المبنى، وتوفر الساحات والحمامات، والكادر المؤهل، وأن لجنة مختصة تقوم بالتقييم الميداني قبل منح الترخيص.
 
وأكد أن أي شكاوى تُعالج قانونياً، داعياً أولياء الأمور لاختيار المدارس التي تقدم تعليماً أكاديمياً حقيقياً، بما يسهم في إغلاق المدارس غير المؤهلة وتحقيق توازن بين الرسوم وجودة التعليم.
 
ويؤكد التربوي يوسف محمد أن الاعتقاد بتفوق التعليم الأهلي على الحكومي أصبح شائعاً، لكنه غير دقيق، متسائلاً عن مدى التزام المدارس الأهلية بمعايير المادة (72) من قانون التعليم.
 
ويرى الخبير التربوي محمد سعيد أن التوسع الكبير في المدارس الأهلية يعود إلى تدهور التعليم الحكومي وضعف الرقابة، مؤكداً أن الدافع الربحي أصبح المحرك الأساسي لهذا التوسع.
 
يخلص الكاتب إلى أن أزمة التعليم في تعز ليست أزمة نوع تعليم، بقدر ما هي أزمة سياسات وجودة ورقابة، يدفع ثمنها الطالب والأسرة، فيما يظل التعليم –الذي يفترض أن يكون حقاً مكفولاً– سلعة تُساوم عليها الظروف.

ذات صلة